أحيانًا نشعر وكأننا داخل قالب صلب لا يمكننا الاتساع خارج نطاقه، أو أننا عالقون في شخصية معيّنة وطريقة محددة في المعيشة ، فلا نتمكن من الخروج عنها مهما حاولنا، وكأن هناك معاييرًا إن لم نوفّها، فلن نكون!
القولبة ثلاث طبقات
القولبة المجتمعية
هي تصور المجتمع عن النجاح والقوة والسعادة، والتقدّم والتأخر، ومعايير الفوز التي قد تكون مثلًا: الدراسة، العمل، الراتب، الطبقة المجتمعية، المظهر، شراء "الحقائب الباهضة"، وسرعة مواكبتك لـ "الترند"..، والتي قد تدعونا أو "تضطرنا" أحيانًا لعيش مسار حياة لا يشبهنا ولا يعنينا ولكن يلتبس علينا الأمر فنسعى لأمر نتوهم أنه مقصدنا، ونحيا لأجل غاية حسبنا أنها غايتنا، في حين أننا ورثناها من محيطنا، وقد لا تعني لنا شيئًا إن فكرنا بها مليًّا، ونكتشف بأننا في واقع الأمر لا نكترث لها حقًا ، فنحيا في سعي دؤوب لتحقيق أحلام غيرنا!
*قد تكون هناك معايير جيدة يقدرها المجتمع، كالكرم، والشجاعة، والشهامة… لكني لا أتحدث عن هذه المعايير، وإن كانت حتى بعض العايير الجيدة، قد تؤدي لنتائج سيئة إن لم تُؤخذ بوسطية، وحسب الوُسع..
القولبة العائلية
هي المعايير التي تجعلُك مقبولًا ومقدرًا في عائلتك، والتي قد تكون في أصلها جيدة، لكنها أيضًا قد تضعنا تحت ضغطٍ، فنكلف أنفسنا بما لا طاقة لها به، فقد نصبح كماليين في تحقيق هذا المعيار، وقد نتطرف للجهة المقابلة تمامًا لأننا سئمنا من قسوة هذا المعيار فنشعر أننا لن نلبيه أبدًا
القولبة الشخصية
هي معاييرنا نحن لأنفسنا، وقولبتنا لصورتنا الشخصية التي يجب أن تكون كذا، ويجب ألا تكون كذا، دون أي إخلال! وتصورنا للحياة بأنها يجب أن تكون بهذا الشكل وإلا ستكون سيئة..
تداخل القوالب
هذه القوالب متداخلة، فكوني ذكرتُ مثالًا تحت أحدها فلا يعنى أنه يختص بهذا النوع، فالاختلاف في المصدر فقط.
عادةً تكون هذه القوالب صورًا مثالية للنجاح، والحياة الجيدة، والسعادة، التي يجب أن تكون بطريقة معينة لا خروج عنها فتصنع “إطارًا وهميًا” بعنوان “إما.. أو ….”، فيجب أن تعيش بهذه الطريقة وإلا ستُعد مسكينًا، يجب أن تَصِلي إلى كذا وإلا ستكوني فاشلة!
من ضيق القوالب إلى رحابة العبودية
الله سبحانه لم يكلفنا ما لا نُطيق، ولم يفرض علينا إلا ما هو خيرٌ لنا بل وعلّق الأمر بما نستطيعه وحسب! وقد قال رسول الله ﷺ “ ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم”، وقد جاء الدين وسطًا في كل شيء في الطهارة، في الكرم، في حسن الخلق، في مراعاة الوسع، في العفو أحيانًا وفي مجازاة الظالم بمثل فعله أحيانًا أخرى، في الواجبات والحقوق، في العلاقات، في الإحسان للناس، في الصلاة حين المرض وحين والخوف وفي السفر..
فهو يُراعي جميع أحوالنا وطِباعنا بل حتى ميولنا ومواطن قوتنا، فكل فردٍ يستطيع أن يحقق العبودية في المجال الذي يبرع فيه، فلكل حال ولكل زمان عبوديته، فلا يجب أن تكون أبيضًا أو طبيبًا أو ثريًا أو حاكمًا! فلا إطار يُقيّدك، إنما امتحان كل منا في تزكيته لِما آتاه الله من سماتٍ وهِبات.. العبودية رحبٌ يسعنا باختلافنا، فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى!
