سأرضى عندما …
أي واقع لأي إنسان كائنًا من كان، مهما بدا بؤسه وتعسّر حاله، إلا أن بوسعه إن أراد أن يجد الرضا، فالرضا لا يتعلق بزمانٍ أو مكان أو ظرف وتفصيل خاص، قد نفترض أحيانًا أننا سنكون راضين إن حصلنا على كذا.. لكن الحقيقة أننا نربط رضانا بظرفٍ نتطلع لحدوثه، فإذا حدث ما أردناه، تطلعنا إلى ما هو أبعد منه وعلّقنا رضانا بحدوثه أيضًا، ولن نجد المكان الذي لا تطَلُّع بعده في الدنيا!
وهكذا سنربط رضانا دومًا بحدث مستقبلي يحدث، ونظل في حالة انتظار اللحظة التي سنرضى بعدها.. وهي لن تأتي أبدًا!
الرضا مكوّن داخلي
لا علاقة له بأي شيء خارجي فهو مستقلٌ بذاته، قد تسهّل أو تصعّب بعض الظروف أن نجد الرضا.. إلا أنه لا ظرف يحول دون الرضا "من رضي فله الرضا ومن سَخط فله السخط"، حتى لو كان الإنسان في حالٍ صعبة جدًا "ومن يتصبّر يصبّره الله"، وعندما يدرك المؤمن حقيقة ما هو فيه من الخير لتعجّب.. كيف لا ورسولنا ﷺ قال "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" فكيف لا نرضى إن كان حالنا يتقلّب ما بين الخيرين؟ مرةً بالصبر ومرة بالشكر!
وهم النعيم
قد نوهم أنفسنا بأننا إن حصلنا على كذا وكذا فسنعيش مرتاحين مطمئني البال ولن يعكّر صفونا شيء، إلا أن طبيعة الدنيا تحتم غير هذا.. إلا في حالةٍ واحدة!
نعيم أرضٍ متعلقٌ بالسماء
أنعم أهل الأرض هو من تعلّق قلبه بالسماء، فسما سموًا عن الدون والدنيا إلى سعة ورحابة السماء، وكان قلبه مُعلقًا بالله وحده، لا بظروف ونتائج ولا بأشخاص أو أماكن، فكل ما يسعى له هو رضى ربه عنه، ويعلمُ أن رحلته هنا مؤقتة قصيرة، فهو يبني ويسعى ويبذل لحياته الأبدية ونعيمه الدائم، وقرة عينه التي لن تنقطع، ويعلم يقينًا أنها نتيجة حتمية طالما كان صادقًا مُخلصًا.. وأن كل ما يصيبه هنا من خيرٍ أو شر إنما هو اختبارٌ لصدقه، فإذا كان مع الله في كل حاله، فمن عليه؟
إذا سكنت النفس واطمأن القلب في حال الرضا (الذي يمكن الوصول له في كل حال) صار أسهلَ على المرء أن يمضي قُدمًا ويؤدي ما عليه ويسير في دربه نحو ما يروم، ويتخطى المصاعب والعقبات ويعيش حياة مطمئنةً على الأرض.. إلى أن يصل لحياته السعيدة في الجنة بإذن الله!
(
