مهما تعرّف الإنسان على نفسه وخالطها وعرف كيفية التعامل معها إلا أنه سيقع في الأخطاء لا محالة، سيظهر أمرٌ ما بطريقة ما على الدوام ليقول لك بأن عملك على نفسك لن ينتهي وأنها رحلة مستمرة..
المخلوقية
مفهومٌ تعلمتُه مؤخراً يقول: بأن على الإنسان دائمًا تذكر حقيقة أنه مخلوق، والمخلوق بطبيعته جاهلٌ، ناقصٌ، فقير،ٌ مُحتاجٌ، ضعيفٌ، شاء أم أبى، واستحضار هذه الحقيقة يُذكّره بألا يبالغ في تصوراته وتخيلاته عن نفسه، وأنه وإن ضاقت به الحِيَل فإن له خالقًا يأوي إليه حال الشدائد، كما يعلمُ بأن بإمكانه طلب المساعدة، فليس من المتوقع أن يعتمد على نفسه في كل شيء!
وإلا عامل نفسه على أنه خالقٌ لا مخلوق!
الهروب والقبول
بالأمس مررت بشعورٍ مزعجِ لم أعلم في البداية ما هو ولَم أحاول أن أعرف أصلاً، لكني كنتُ أُلاحظ هروبي من أمرٍ ما، فلا زلتُ أتنقلُ بين مشاهدة على اليوتيوب وبين رغبةٍ بتناول الطعام مع تهربٍ واضحٍ من الالتزامات التي علي، تجاهلتُ الأمر في البداية رغم أن فكرة تدوين الشعور لاحت ببالي إلا أني أنكرتُ أن الأمر يستحق.. إلى أن مرّت الساعات وأنا على ذات الحال وشعرتُ ببالغ الاستياء من نفسي..
الورقة والقلم وبدأت الكتابة عن هذا الشعور، ولاحظتُ أنني في كتابةٍ سابقةٍ من نفس اليوم كنتُ بالغتُ في توقعاتي عن نفسي وحمّلتُها من المسؤولية ما لا تُطيق، ثم أدركتُ بأنني لستُ مُضطرة لأن أكون نابغة زماني ولا المسؤلة عن تغيير العالم عن بَكرة أبيه!
وأن علي التركيز على ما يمكن عمله اليوم وفقط، لا أن أبني حياتي كلها على ورقةٍ في يوم واحد ثم أشعر بالذنب لحجم الفجوة بين ما أنا عليه اليوم وبين ما أحلم به بعد مليون سنة!
إنما علي التركيز على المكاسب اليومية الصغيرة، كمكسب أني أكتُب الآن نشرةً بريدية..
العجيبُ في الأمر أني لم ألُم نفسي وأجلدها على "الغلطة الفادحة" بل تفهمتُ الشعور تمامًا! (مع قليلٍ من العتاب لكوني لم أكتب شعوري منذ البداية، أعترف)، وأدركتُ مدى فداحة ما توقعاتي.
قلّ منسوب الشعور لكنه لم يذهب تمامًا فأجريتُ مكالمةً سريعة مع ابنة خالي (لم أتحدث خلالها عن الموضوع) لكنها رغم ذلك أفادت في تخفيف ما كنتُ فيه..
قلتُ بعدها لنفسي: خذي اليوم إجازة ولا تُنهكي نفسك أكثر، ثم قررتُ من باب الترويح أن أشاهدَ رسالةً لي من الماضي (لدي عادة أني بين الفينة والأخرى أصور مقطعًا أرسل فيه رسالة إلى نفسي المستقبلية)، فشاهدت أحدها وابتهجتُ كثيرًا ووجدت فيه ما أريد سماعه! ثم صورتُ آخرًا لعلي أفيد به نفسي المستقبلية..
كنت قد قررتُ أن اليوم إجازة إلا أني وجدتُ أني عدتُ لأكمل التزاماتي، وهذه المرة "اختياراً لا اضطراراً"! فسُعدتُ لذلك أيضًا، وما زلتُ حتى الآن أضحكُ مما حدث، كيف أني لم أتعامل مع الشعور منذ البداية، ولم أُرعِ الأمر انتباهي..
وهناك صوت بداخلي قال: "هذا وأنتِ من تكتبين نشرةَ نُرامـ التي يفترض بها أن تعلّم الـ …" لكن إلا أن حيلة لومِ الذات هذه لم تعد تنطلي علي، فرددت عليه بفكرة المخلوقية وأن الخطأ طبيعي.. كما أن الطبيب يمرض والمختص النفسي يتعب، فلا يعني ذلك أنهم ليسوا جيدين!
ما تعلمتُه من هذه التجربة
— ألا أتجاهل الشعور بالانزعاج مهما بدا صغيراً وألا أستهين بأهمية الكتابة!
— بأن هناكَ طرُقًا لتخفيف الشعور بدل الهرب منه (في حالتي مشاهدة رسالة من الماضي، الحديث مع شخصٍ مقرّب)
— أن المراعاة قد تكون أنفع من اللوم والتوبيخ..
— أن أنتبهَ لمواطن السعي للكمالية، وأذكّرَ نفسي بمخلوقيتي.
— أن بإمكاني استغلال قصصي الشخصية في النشرات البريدية :)
