في طريقنا نحو مرامنا قد ننسى
قد ننسى أن الطريق يحمل في طياته الكثير من الآلام، قد نحاول جاهدين أن نتخلص من الألم تمامًا ونصل إلى رغد العيش الذي لا تشوبه شائبة.. ولكننا للأسف لن نصل لحياةٍ كاملة مريحة وسعيدة تمامًا!
ولا يمكن لنا بحال من الأحوال أن نتخلص من الألم تمامًا، فكل نمو وتغيير يستلزم معه وجود الألم، فكما أن بناء العضل يستلزم ألم حمل الأوزان الثقيلة، وظهور الأسنان يؤلم الأطفال بشدة، فإن كل نمو وتغيير مؤلم، حتى التوقف عن النمو والتغيير مؤلم.. لأننا خُلقنا على أرض لا يتم فيها الكمال ولا تتم فيها الراحة والسعادة المستمرة أبدًا!
أبيض وأسود
قد تكون فكرة حتمية الألم وعدم وجود الحياة الكاملة على الأرض مؤلمة جدًا، فنرفضها وننعت من يقول بها بالسوداوية وضيق الأفق والتشاؤم وسوء الظن.. إلا أننا هنا لا نُحاول تضميد الجِراح الصعبة بحلولٍ سطحيةٍ سريعًا ما يزول أثرها فنقع مجددًا في آلام أشد وأفظع! فعندما يكون المرء بحاجة إلى عملية جراحية، من الظلم أن تعطيه دواءً مسكّنًا لألمه فيشتد علىه المرض أكثر وأكثر، وتتكالب عليه الصّعاب والآلام!
المقاومة والرفض
في بعض الأحيان، كل ما يحتاجه المرء هو أن يفلت الأمور دون مقاومة، كغريق يتحرك بعنف محاولًا الصعود إلى السطح ليأخذ نفسًا؛ وكل ما يحتاجه في حقيقة الأمر أن يسكن تمامًا فيطفو على الماء دون عناء.. الألم موجود لا محالة، فالعامل والموظّف يتألم من الانضباط والمسؤوليات وإرهاق العمل وغير ذلك، والقاعد في بيته في فراغ سيتألم لقعوده، الرياضي يتألم في ممارسته للرياضة وحمل الأوزان الثقيلة، والكسول يتألم لحالته الصحية الجسدية.. فالألم ملازم لنا وسيستمر في زيارتنا إلى أن نموت.
كيف نتعامل مع الألم؟
علينا أن نتقبل حقيقة حتمية الألم، لأن رفضنا لوجوده سيرهقنا دون طائل، فعلينا أن نتقبل وجوده ومن ثم نختار طريقة تعاملنا معه..
لكن كيف لنا أن نقبل وجوده؟
لا يمكن للإنسان أن يحتمل ألمًا لا معنى لوجوده، فإذا وجدنا معنًى لهذا الألم وكان لدينا ما نرجوه نتيجة هذا الألم فسيسهل قبوله والتعامل معه، (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون).
وإذا أدرك المؤمن أن كل أمره خير "فإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"، رجا خيرَ ألمه فتقبل وجوده وصَبر.
الإنسان في رحلته يسعى ويبحث عمّا يوصله إلى السعادة المُطلقة والنعيم غير المنقطع، وأن يصل للذة والراحة النهائية دون أن يعكّر صفوه شيء.. لكن من دناءة الدنيا أنها لا تعطي الحياة الكاملة للإنسان؛ فالرخاء واللذة والسعادة الدائمة لا تكون إلا في الجنة، وطالما كان الإنسان على قيد الحياة فلابد أن وجوده مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالألم..
ولِنصل لتلك السعادة المُطلقة في النهاية ونفوز بالجنة، فسنواجه الكثير من الاختبارات التي تختبر معدننا وصدقنا، فكل هذه الحياة إنما خلقها الله ليبلونا أينا أحسن عملًا، رغم كل سنلاقيه خلالها!
