البشر بطبيعتهم يسعون للنجاح أيًا كان نوعه، لكني أرى أن فكرة النجاح غير منصفة فهي تحكم عليك بأنك نجحت أو فشلت لا توجد منطقة في المنتصف تصف إنجازك دون الحكم عليك شخصيًا! فلا اعتبار للكتاب الواحد الذي قرأته خلال العام، لأن هدفك كان عشرة كتب! لا اعتبار لاجتهادك في المذاكرة لأنك لم تحصد درجة جيدة بما يكفي لتشعر بالإنجاز!.. النجاح يعتمد على النتيجة والمُحصلة النهائية دون أي اعتبار للخطوات المبذولة.. لكن ماذا لو كان هناك مفهوم آخر يقدّر خطواتك أيًا كانت النتيجة التي حصلت عليها؟ ماذا لو كانت رحلة سعيك هي الوصول بحد ذاته؟
السعي وصول
في مفهوم الفلاح، كل خطوة تأخذها بالاتجاه الصحيح هي فوز بغض النظر عن النتائج
لنفترض أنك قررت تقنين استخدامك للجوال، فالتزامك ليوم واحدٍ فوز، إغلاق جوالك لساعتين متصلة فوز، عدم فتحك للجوال خلال أول ربع ساعة من استيقاظك فوز، عدم أخذ الجوال معك للسرير ليومٍ واحدٍ فوز، حتى جلوسك على مواقع التواصل لثلاث ساعات متواصلة قد يكون فوزًا؛ إذا فهمت الأسباب والدوافع لتتعامل معها، إدراكك أن الطريقة التي تتبعها لا تناسبك لتجرب طريقة أخرى فوز، أي شيء يساعدك لتكون على الطريق فوز! العبرة ليست بمحطة الوصول العبرة باستمرار الرحلة واستدامتها!
ملاحظة: إذا فلتت معاك مرة وجبت العيد في شيء صغير، فلا تستخدم كلمة "خربانة خربانة" لتعطي نفسك الصلاحية لتزيد الأمر سوءًا..
المشكلة ليست دائماً في القشور
عندما نلاحظ مشكلةً ما.. غالبًا ما نرى آثارها على السطح فقط.. قد تظن مثلًا أن مشكلتك في إدمان مواقع التواصل هي مشكلة إرادة، لكنك تغفل عن أنك تهرب بها من المشاعر والمخاوف، تستخدمها كمخدر لآلامك، وتستعين بها لتهرب من وحدتك أو تهرب من نفسك وأفكارك؟ السؤال هو ما الذي يدفعك لفتح هاتفك؟ ما الشعور الذي تبحث عنه؟.. لست هنا للحديث حول هذه الفكرة تحديدًا، لكني أريد أن أشرح أن كل مشكلة قد تخفي تحتها أسباب عميقة نغفل عنها، وفهمنا لها يساعدنا لنتعامل معها بأفضل شكل ممكن مما يساعد على استدامة هذه الحلول!
السعي للغاية أو للنتيجة ؟
في فترةٍ ما كنت ألتزم بالرياضة والحمية الغذائية، فقط لأصل إلى رقمٍ محدد في الميزان، وبعد أن أصل إليه أجد نفسي أعود للأنماط القديمة تدريجيًا، ليعود وزني للصعود مجددًا.. مالذي حصدته هنا؟ حصلت على النتيجة، فتوقفت عن السعي ثم فقدت النتيجة لأعود خالية الوفاض..
أما الآن فلا توجد نتيجة أسعى لوصولها، إنما أتبع أسلوب حياة صحي (أسعى لتطويره) لأن قيمة الصحة تهمني حقًا! يهمني أن أكون أكثر لياقة وأن أتحرك في أوقات، كما يهمني أن أنال قسطًا من الراحة في أوقات أخرى، يهمني أن يكون طعامي متوازنًا ومُغذيًا وأن يكون (هذا الطبيعي حقي) وأن لا أحرم نفسي بحميات قاتلة.. يهمني أن أكون بصحة حتى آخر يوم في عمري -إن شاء الله- ، أما الميزان فلم أعد ألتقيه إلا نادرًا!
الفلاح الحقيقي!
الفلاح والفوز الحقيقي والطريق الذي لا يخيب من سلكه بصدق هو الطريق إلى الله!
لأنك عندما تحيا لهذه الغاية وتسخّر كل ما بيومك لتحققها، كنت فائزًا في كل تفاصيل يومك، وفوأٌ ليس كأي فوز، هو فوز باقٍ لا يفنى مع فناء الأرض، ولا ينتهي بعد رحيلك عنها!
وسبيل ذلك :
التزكية
تخلية النفس وتطهيرها وترقيتها من الرذائل، وتحليتها بالخير والقربات والفضائل..
(وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى )
