كثيرًا ما نسعى إلى تلك الحياة الاستثنائية التي لا تشوبها شائبة .. ولكن الحياة ليست وردية أو مثاليةولا يمكن لها أن تكون كذلك، لكن بعضنا أو معظمنا "في هذا العالم المادي السريع" لم نعد نحتمل الألم، المشاعر، الانتظار، لم نعد نحتمل ألّا تجري السفن كما نشتهي، بل ونظن أن على الرياح أن تطيعنا نحن؛ وإلا فلن نبحر!
لكن الحياة مليئةٌ بالخفوس
علينا قبول تلك الحقيقة المؤلمة، فلا شيء كامل على هذه الأرض، وهذا النقص كما أنه يحمل ألمً فإنه كذلك يحمل رغبةً وتوقًا لِما هو كامل في منتهى اللذة، فمن ثمرات ألم الدنيا أننا نتوق بسببها إلى الجنة، فنزرع الدنيا طلبًا للآخرة، ونسّخر ما هو ناقص لِنصلَ إلى منتهى اللذة والنعيم، فننفر من هذه ونُركّز على تِلك!
هلع دنيئ
كلما تعلّق المرء بالدنيا ازداد هلَعًا فكان إذا مسه الشر جزوعًا وكأنه أوشك على الهلاك ورأى الموت بعينيه، وإذا مسه الخير منعَ، وبَخِل، واستكبر، وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وظن أنه ملك العالم، فكان بين ثلاثة أحوال لا ينفك عنها غالبًا: حزن على ما فات، وقلقٌ أو يأس مما هو آت، وتسخّط واستياء لما في هذا الآن.. فلا شيء يرضيه، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب..
الإنسانُ أجوفٌ فقير، يريد أن يسعى دومًا لملئ هذا الجوف، فإذا جاع أكل، وإذا عطش شرب، وإذا اشتهى ورغِب للذة سعى ليلبيها، لكنه دومًا أجوف ، ولا يملؤه شيءٌ في الدنيا، إلا الوحي الذي يدعوه لِما يملؤه حقًا، ويزكيه ويرغبه بتلك الجنة ،التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر..
سكينة عزيزة
فلا ينفك عن الهلع (إلا المصلين ٠ الذين هم على صلاتهم دائمون ٠ والذين في أموالهم حق معلوم ٠ للسائل والمحروم ٠ والذين يصدقون بيوم الدين ٠ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ٠ … ) فكانت مَزيّتهم أنهم يطلبون الآخرة التي هي خير وأبقى.. فيحيون بسكينة وطمأنينة، بعيدًا عن ذلك الهلع في الدنيا، ويَرجون يومًا يُنادَونَ فيه بـ (يا أيتها النفسُ المطمئنةُ ٠ ارجعي إلى ربِّك راضيةً مَرضِيّة ٠ فادخُلي في عبادي ٠ وادخُلي جنتي)
خُلاصة القول:
التعلق بظاهر الدنيا والظن أن بها نجاتنا > سيودي بنا إلى الهلع في محاولة سد جوفنا بأي شيء وكل شيء!
تذكّر أن كل ما على الأرض فانٍ، والعمل لما هو خير وأبقى> سيُطمئنُنا في الدنيا وتقر به أعيننا في الآخرة..
لا يعني هذا التفريط بحاجاتنا وما يقوبنا من الدنيا، فالتوسط هو الأولى
( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)
