في الفترات الصعبة ننسى الحقائق التي تعيدنا إلى الطمأنينة، فنحتاج إلى تذكرها بين الحين والآخر، لكي نستحضرها وقت الحاجة لها، ومن ذلك مفهوم الخيرة!

في هذا العصر المادي الذي فصل الدين عن الحياة، صار الخير في منظورنا هو: المال، النجاح، الترقية الوظيفية، التقدم الأكاديمي، المزاج الجيد، المتعة، الترفيه.. لكننا نسينا الخير الأعظم وهو : الدين ، الطمأنينة، السكينة، الصبر، أن تكون البوصلة واضحة (اللهم ثم النفس ثم الآخرين)، نسينا سنن الله في الأرض وأن كل ما عليها فانٍ، وأنها ليست دار القرار، ولا دار الجزاء والحساب، ولا دار النعيم الدائم.. إنما هي ابتلاء


لنبلوهم أيهم أحسن عملًا

ستُبلى بالخير والشر، سيُبلى شخصٌ بالغنى وآخر بالفقر، كلهم في امتحان والرابح هو من تعامل مع ما لديه وفقًا لمراد الله لا هوى نفسه،

ودل على ذلك قو رسولنا ﷺ " إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ ؛

عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ،

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ. فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ،

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ،

وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ. فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ ".

عجبًا لأمر المؤمن

كيف للمؤمن أن يشقى إذا كان يتقلّب من خيرٍ إلى خير؟ إن أصابته سراء شكر، وعمل بما لديه وفقًا لمراد الله، فكان خيرًا له، وإن أصابته الضراء صبر وآمن واحتسب واتقى ربه فلم يترك واجبًا أو يقترف ذنبًا فكان صابرًا، وكان خيرًا له!

معنى ذلك أنه أيًا كان ما لدي فإن خيريته في الحقيقة تعتمد على طريقة تعاملي معه، فإن كان تعاطيَّ مع الأمور حسنًا كان خيرًا لي، وإن كنت آخذ الأمور بغير ما أراد الله كانت وبالًا علي، وإن بدا "بالمنظور الدنيوي" أنه خير!

سنن الله في ابتلائك

إذا نظرتَ إلى ماضيك، فلابد أنك مررت بفتراتٍ صعبة وانتهت، أليس كذلك؟ أتذكر مرارة تلك الأيام ؟ وأنك ربما حينها شعرت وكأن الأمر لن ينتهي؟ أولم تنتهِ قبل اليوم فتراتٌ صعبة؟ ألم يحدث معك قبل اليوم أمرًا ظننتَه شرًا فكانت عاقبته خير؟ أرأيت كل ذلك الرصيد لديك الذي شاهدتَّ فيه لطفَ الله.. أوليس بعلامة على أن الخير قادم بإذن الله! وأن الألم ورن عاد إلا أن مصيره حتمًا إلى زوال؟

سمعت فكرة تقول: من أساليب التعرف على الله، التعرف عليه من سننه ليست فقط سننه العامة في خلقه، بل وسننه الخاصة معك أنت ، كيف أنه أجاب دعاءك، وكيف أخرجك من أمرٍ ظننته لن ينتهي، وكيف دبّر لك خيرًا مما أردتَ لنفسك، وكيف علّمك وربّاك في الفترات الصعبة لتخرج منها أقوى، وكيف أعادك إلى طريقهِ بعد أن كنتَ على جُرف ابتعاد؟ كل ذلك يُعرّفك عليه ويُريك لطفهُ وحكمته ورحمته بك أنت تحديدًا!

فإن مع العسرِ يسرًا ولابد

حكمة الله وتيسيره محيطه بنا ولا تنقطع، فلا يمكن لحكمته أن تغيب، فإننا وإن لم نُبصرها فذلك لا يلغي وجودها، اللهُ حكيم في كل أمره، وفي كل تفاصيل حالِك لا تغيب حكمته عن أي شيء، فإما يبتليك ليعلمك ويربيك، وإما لينقيك من تعلقاتك بأشخاص، وأشياء ،وأحوال، أو أن يزكيّ فيك خُلُقًا، أو أن يعلّمك الصبر والسكينة، أو أن يذكرك بحقيقة الدنيا فيعلق قلبك برضاه وثوابه، أو أن يعيدك له بعد أن ابتعدت ونسيت، أو أن يرقيّك إلى مرتبة من العبودية لم تكن لتصل لها لولا هذا الابتلاء! فقد يختارُك الله لابتلاءٍ لأنه يحبك! ولأنه يريد لك الدرجات العُلى التي ما كنتَ لتصِل لها بالسراء!


الله عظيم، حكيم، عليم، خبير، لطيف، واسع، قابضٌ وباسط، مانعٌ ومعطي، كل ذلك بحكمته، وهّاب، فتّاح، رزاق، بيده الخير، جوادٌ، كريم، برٌ، محسنٌ، رحيم، جميل، طيّب، ودودٌ، رؤوف..

تعرّف إلى الله في الرّخاء يعرفك في الشدة