في لحظات صعبة كانت الزراعة هي ما أعادت لي الأمل وأضاءت لي الوجهة، كنت أفكر في بدء هواية الزراعة من فترة طويلة، ولكن ليس هذا ما قصدته في تلك اللحظة، لأن الأمر أبعد من ذلك بكثير..
برق وسط العتمة
كنت أمر بأيامٍ تملؤها الكآبة، فقدتُ فيها دافعيتي لكل شيء، وفي لحظةٍ ما قررتُ أن أُمسك قلم السبوره وأبدأ في تفكيك الحالة المزاجية وما الذي يمكن أن أفعله حيالها؟
فكتبت سؤال: ليش أعيش؟ إيش الدافع؟
فكانت الإجابة التي كتبتُها : مقولة "الدنيا مزرعة الآخرة"..
حسنًا إذا كانت هذه الغاية، فما الذي يمكنني أن أزرعه الآن وفي هذه اللحظة؟ تذكرت حديث "وسبحان الله والحمدلله تملأ أو تملآن ما بين السماوات والأرض" بدأتُ التسبيح فإذا بي أُقهقِه كيف لي أن أجني كل ذلك وأنا مضطجعة على أريكتي؟ حينها انقشعت الغمامة السوداء، فكانت الزراعة هي الأمر الذي دفعني للأمل!
كيف نبدأ مزارعنا؟
الفائز في هذه الحياة، أو هذه المزرعة: هو من سيزرع ما يثمر أكثر في أخراه، من سيزرع الزرع الأنسب للمناخ في محيطه، من سيزرع الزرع الذي يسهُل عليه الاعتناء فيه، من سيتدرّج في علمه وعمله وفقًا لوُسعه، ويمارس الزراعة على مدًى طويل حتى يتمكن من توسيع مزرعته، فلا يمكن لمن لا يفقه شيئًا في الزراعة أن يزرع مزرعة كبيرة في يوم واحد، بل يبدأ بالقليل ويلتزم برعايته ثم يتدرج في التوسيع، وقد يصل يومًا إلى مرحلة يكون التوسيع فيه وبالًا عليه، لأنه لن يتمكن من العناية بكافة الزرع في آنٍ واحد، سيُجهَد ويُرهق وقد يحترق، ويتوقف عن الزراعة، في حين أن القاعدة النبوية تقول "قليلٌ دائم خيرٌ من كثير منقطع" و "أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل"
البذرة المناسبة
علينا أن نعرف أن لكل مناخ مزروعاته الخاصة التي قد لا تصلح في غيره، كما أنك لا يمكنك أن تحجّ في رجب، ولا يمكنك صيام محرم بدلًا من رمضان -دون عذر يسمح بذلك-، فإن لكل حالٍ وزمن زرعه المناسب، ففي الأوقات الصعبة ازرع الصبر، وإذا كنت في خير وعافية ازرع الشكر، وعندما تُخطئ أو تقصّر ازرع التوبة، وفي أوقات الانتظار والفراغ ازرع الخلوة بالله والدعاء والذكر، وعند سعيك في أمرٍ ما ازرع التوكل وبذل الأسباب، وإذا لقيتَ أحدًا فسلّم وابتسم، وإذا فترت همّتك وضعفت عزيمتك فراعِ نفسك فذلك من الزراعة، وإذا أكلتَ الأكلة تقويًا على الزراعة كانت زرعًا أيضًا، لكل زمان وحال زرعه، كما أ٫ لدينا لكل حالة ذكر عند الطعام والخروج والدخول والركوب، وكلمة بسم الله عند البدء بأي شيء التي تُذكرنا أن نتقي ونزرع، حتى الراحة من الزراعة قد تكون زراعة بالنيّة!
لا تحقرن من المزروع شيئًا
لا تعلم أي بذرة هي التي ستتبارك وتكبر وتثمر وتتضاعف، فهناك من دخل الجنة بغصن شجرة أماطه عن طريق الناس ، وقال ﷺ " لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق"، فابدأ بالأيسر والأقرب والمتناسب مع طبيعتك، المهم هو أن تزرع!
في الزراعة أولويات
لا يمكن لزرعك أن يثمر إذا كنت تزرع على الرصيف، فقبل أن تفكر في الزراعة عليك أن تجد أرضًا خصبة، عليك أ تقوم على الأرض المناسبة، وأن تتعلم الأُسس التي تحتاجها، أ٫ تعرف الزرع الذي يصلح التربة، والوقت المناسب والطريقة المناسبة لكل نوع.
على أرض الواقع عليك أن تبدأ بأوجب الواجبات التي قد لا يثمر عملك بدونها: أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان، أن تعرف ما هي الكبائر لتجتنبها ،فمثلًا هناك الكثير ممن يسخّف من أمر الكذب ويبرر بـ "كذبة صغيرة ما تضر/ كذبة بيضاء"، ومن ذنب الغيبة التي قال عنها الله (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه)؟ ، فهل هذه الأعمال صغيرة فعلًا في ميزان الله؟ افهم قوانين المزرعة أولًا، ثم ازرع مزرعتك على بيّنة وعلم.
قد نحب نوعًا من الزرع أكثر من غيره، ولكن المسألة ليست دومًا بالحب، فعندما تصلي الضحى في حين أن والدتك تحتاجك، فبر الوالدين فرضٌ والضحى نفل، والقاعدة تقول: من شغلَه فرضه عن نفله فهو معذور، ومن شغَلَهُ نفله عن فرضه فهو مغرور= مخدوع!
كيف السبيل للزراعة؟
من رحمة ربي أنه أنزل لنا الفرقان الذي نفرق به بين الحق والباطل وبينا لنا فيه كل ما نحتاجه، الذي أنزله على رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، فكان حديثه وحيًا مبينًا لما في القرآن، فإذا لزمنا ما بهما (القرآن والسنة)، واقتدينا بصحابة رسول الله ﷺ ، وتعلمنا من القرون الأولى ، فإننا سنجد سبيل الزراعة الأسلم والأقرب للإثمار بإذن الله.
ومن أهم شروط الزراعة أن تكون خالصة لله، متابِعة لسنة رسوله ﷺ، أن تكون على علمٍ وتعمل وفقَهُ، فلا تكون كالمغضوب عليهم الذي عَلموا دون عمل، ولا الضالين الذي عملوا بلا علم، فإذا تعلمت وعملت بما تعلم ، كنت بإذن الله مع الذين أنعم الله عليهم (ومن يُطِعِ اللهَ والرسولَ فَأُولَئِكَ مع الذين أنعمَ اللهُ عليهِم منَ النبيّينَ والصدّيقينَ والشُّهداءِ والصّالحين وحسُنَ أُلئك رفيقًا)
ما الذي يقويك لتزرع؟
للنفس حاجات عليك أن ترعاها لتتقوى بها على الزراعة، كالخلطة بالناس، والحركة ، والغذاء الطيّب، والنوم، والخلوة بالله والأنس به، والخلوة بالنفس ومراعاتها، والعلم والعمل، وغير ذلك، فإن لم ترعَ هذه الأمور وتتقوى بها ضَعُفتَ ، وإن أسرفت في رعايتها شغلتك عن الزراعة، التوسط خير!
لا تعتمد على قوتك ومهارتك
عندما تدفن البذرة في الأرض، فأنت لا تملك هطول المطر، ولا سطوع الشمس، ولا انفلاق الحبة وتبرعم النبتة، هذا كله بيد الله، ولكن اغرسها وتوكل، وادع الله أ٫ تثمر زرعتك ويتقبلها الله، فليس الأمر بما نعمل نحن، نحن نبذل السبب، ونستعين به ، وهو يوفقنا ويهدينا ويثبّتنا ويقوينا، ويحيي زرعنا ويضاعف ثمره بواسع رحمته.
مواد تعينك على الزراعة بحكمة:
لماذا نفشل في بناء العادات رغم الالتزام -أنس اكريم
خُلاصة القول:
ازرع في كل حال ما يناسبها ، وتذكر أولويات الزراعة ومبادئها، وأولها أن تكون خالصة لله، وعلى سنة رسوله ﷺ، لا تحقرن من المعروف شيئًا فتغفل عن فعله، ولا تحقرن من الذنوب شيئًا فتستسهل عمله، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع، وارع نفسك لتَحمِلك إلى غايتك!، ولا تعتمد على زراعتك فقط، فإنما تُثمر برحمة الله وتوفيقه، المهم هو أن تبدأ فلا تدري متى ينتهى اختبارُك!
