تخيّل أن تعيشُ حياتك الطبيعية المعتادة كما كل إنسانٍ آخر فنتام النومة، وتستيقظ منها لتجد نفسك في بيت غريب لست في بلدك ولست في بلدٍ تعرفه أصلًا! -ليس موجودًا على الخارطة حتى- ، مع أشخاصٍ غرباء تراهم لأول مرة، بلغة غريبة، وطريقة عيش غير مفهومة، في زمنٍ وعصرٍ مختلف تمامًا، حتى تذهب إلى النهر لترى انعكاسك فيه، لترى أنك شخص غريبٌ لا تعرفه..
لابد أن هناك خطبًا ما!! فكيف وصلتَ إلى هنا؟ وما الذي عليك فعله؟ هل ستعيش يومك وعمرك بالكامل تتجاهل هذه الأسئلة وإجاباتها؟
سؤال!
ما الذي يحدث؟ وما الذي علي فعله؟ ومن هذا الشخص الغريب الذي وجدتُ نفسي أعيش حياته؟ وأين ذهبتُ أنا؟ وكيفَ أجدُني؟ وكيف أعود للحياةِ التي ينبغي لي أن أعيشها؟
قد تجدُ نفسكَ تٌهتَ بين الهُويتين، وبدأت تتأقلم مع الواقع الجديد، لكن هذا التأقلم يعني أن ترتدي الأقنعة، وتندمج في قيمهم حتى إن خالفْتَ قِيمك، أن تنكر هويتك الحقيقية فلا يعرفها حتى أقرب الناس إليك، وقد تنسى نفسك تماماً، ثم تعيش ما بقي من عمرك لتحقيق غايات لا تُشبهك ولا تعنيك، فقط لأنك وجدت نفسك هنا.. وتنسى السؤال الأول المرتبط بهذا المكان: من أنا؟ ولمَ أنا هنا؟
إنْ اخترتَ تجاهُلَ هذه الأسئلة، والعيش على أي حال..
بغض النظر لماذا وكيف وبغض النظر من تكون"وسويت نفسك مجنون" وكأن شيئًا لم يكن، فكلما ستزداد الأسئلة وتتكاثر، وتصعب عليك المشاكل، لتعيش مع قلقٍ واضطرابٍ سيزداد يومًا بعد يوم، ومهما تجاهلتَ السؤال فستجده يعود إليك مرارًا، فيخيفُك مجيئه فتعود للهرب فيستمر في زيارتك بشكل أشد وأقسى في كل مرة، كل شيءٍ في حياتك سيصبح يذكرك بهذا السؤال و ستجد السؤال أمامك في كل شيء!
وكلُما يحدثُ لك غايته أن يذكرك بهذا السؤال، لأن عليك أن تسلكَ طريقًا غير هذا الطريق!
/لأن عليكَ أن تجد ما ترومه حقًا! لأنك يجبُ أن تجد ذاتك! وأن تعيش حياتك أنت! لتؤدي دورك أنت! لكنك لا زلتَ تسلُك طريقًا لا تعلمُ لِمَ تسلكه!! وتواجه مصاعب لا تفهم مغزاها وأهمية وجودها ولا لمَ عليك مواجهتها! وتعيش حياةً:لا تعرف فيها من أنت؟ ولا لمَ أنت هنا؟!
أما إن اخترتَ المواجهة
فقد يبدو الأمرُ أكثر صعوبة إلا أنه أكثرُ جدوى! فتبحث وتتقصى وتُحاول أن تفهم وتسأل وتتساءل وتكرّسُ حياتك لإيجاد تلك الإجابات، فكلما أخذتَ خطوةً ازددت قوةً وازددت قربًا من إيجاد الحقيقة (حتى لو لم تجدها بعد) إلا أنك في كل خطوة تزيدُ من أدواتك وقوتك ووسعك لتسعى وتتقوى في هذه الرحلة.. رحلة البحث عن الحقيقة والحق والمعنى..
كما أن حياتك ستكون أكثرُ طمأنينة لأنك صادقٌ مع نفسك، وتسعى لإجابة أسئلتك أنت، لتجد ضالّتك أنت، وتعيش للغاية الي خُلقتَ لأجلها
عندما نولد في هذه الحياة نجدُ أنفسنا في قصةٍ مُشابهة، حياةٌ بشكلٍ معين وطريقةٍ متعارف عليها، بشكلٍ محدد، مع أشخاصٍ تراهم لأول مرة، لا تفهم قِصة هذه الحياة ومغزاها إلا بما تسمعه وتراه من محيطك فترثه كما هو "لأنهم يبدون أكثر خبرة، ولأنك مضطرٌ إلى الاندماج معهم"، وقد تَرثُ منهم هروبهم وتجاهلهم وتحجيمهم لهذا السؤال..
وعلى كل حال سيظهرُ لك ذات السؤالُ مرارًا، وسيظهرُ لك في محطاتٍ معروفة: كأزمة ما بعد التخرج، وأزمة منتصف العمر، وعندما تفقد شيئًا عزيزًا، وعندما تتقاعد عن العمل، وبشكلٍ عام سيظهر في المراحل الانتقالية، حينما تمر بظروف صعبة وتبحث عن معنى لوجودها..
تعودُ التساؤلات لتُذكّرك بالبحث عن الحقائق التي نسيتها..
هذا اختبارُكَ أنت، بغض النظر عن الآخرين، فهل ستنجح فيه؟ وهل ستبذلُ جهدك لإيجاد الإجابة؟ أم ستكذبُ على نفسك "وتسلّك لنفسك عشان تمشي الحياة" ثم لا تسلُكُ الحياة معك؟
لأنّك تُعارضُ فطرتك في البحث عن الحق، التي يوجّهكَ الله به ويسخّرُ كل ما حولِكَ لتبحث عنه!
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
وحتى إن تجاهلتَ السؤال وكذبتَ على نفسك..
(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ )
وإن كنتَ تريد أن تبحثَ عن الإجابةِ الحق فاعرف أينَ تجِدُها:
(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ )
