من الخطأ أن نظن أن الأمور يجب أن تسير كما كان "مخططًا لها" تمامًا، بشكلها الكمالي المستقيم "وكأن حياتنا خارجة من مصنع" .. نحن بشرٌ ولدينا ظروف داخلية وخارجية نواجهها كل يوم، لن تكون بنفس المستوى على الدوام، ولن تستطيع السيطرة على كل شيء، المهم في السياق العام أن تبذل ما بوسعِك حقًا، وإن قصرت تعلم واعمل على التحسين باستمرار..

واحذر تمام الحذر: أن تظن أن بإمكانك التحكم بكل شيء أو أن محاولة تحكمك ستفيدك أصلًا.. لأنها لن تزيدك إلا خبالاً!

الخبال: الشر أو الفساد في الفكر و العقل ، الذي يورثه اضطراباً يشبه الجنون.


على بلاطة

لستُ هنا للتنظير عمومًا، وفي عدد اليوم خصوصًا.. فلا زلتُ أجاهدُ نفسي لأُسلّمَ دون تحكم ولا استسلام، وأن ألتزم دون تعلقٍ أو انسحاب!

أعترفُ أني كذَبت على نفسي مرارًا بأنني "شخص مرن" ، وأن الانتظام الزائد "ليس إنسانيًا"(وقد يكون لذلك وجه من الصحة)، إلا أني استخدمتُ الفكرةَ كشماعةٍ لأتهرب من الالتزام الذي أخشاه، بل كان يرعبني!

إلى أن أدركتُ أخيرًا أن كل ما أتمنى حدوثه يُحتّم علي الالتزام طوعًا أو كرهًا، وأن ما كنت أدندنه من عبارات كانت هروبًا لا مرونة! ولمّا بدأتُ بالعمل على تجسيد هذه القيمة، أدركت أن الخلل ليس في قوةِ الإرادة ولا حسنِ التخطيط ولا إدارةِ الوقت.. إنما هو في التسليم والتوقف عن محاولة التحكم لا بالخارج ولا بالداخل..


أرجوحة ⚖️

نتأرجح ما بين المثالية والعجز، والسيطرة والانهيار، ما بين التحكم والاستسلام، والقلق واليأس، و ما بين الخوف والأسى.. في حين أن هناك منطقة متزنة في المنتصف تُسمّى التسليم..

أُشبه الجوانب الثلاثة بشخصٍ أقامَ خيمة ⛺️

التحكمية

فالأول قلِقٌ خائفٌ يسعى للسيطرة على الموقف ويتحكم بما سيحدث فيسعى ويعمل أكثر مما يجب في إقامة الخيمة أولًا، ثم يدخلها وهو على أعصابه، ويظل واقفًا رافعًا يديه ليكون مستعدًا إن تهاوت الخيمة عليه فيمسك بها قبل أن تسقط.. وهذه الحالة التي يشعر بها بالأمان "التحكم والتأهب لأي تهديد"

العجز

هو نفسه في يومٍ آخر سيخشى استهلاك طاقته في التحكم بالموقف وسيشعر أنه مهما فعل فلن يضمن صمود الخيمة "وقد يذهب تعبه هباءً"، فينهار وييأس ويعجز ويزيل الخيمة بنفسه من البداية.. ولسان حاله يقول: "إن لم أستطع التحكم بكل شيء.. فَلْأترك الأمر تمامًا"

في حين أن التسليم

هو أن تبذل الأسباب الطبيعية لإقامة الخيمة، ثم تسلّم أمر صمود الخيمة لله.. وإن حصل شيءٌ حقًا فتسلم لله أيضًا ، فهو الذي قدّر وأمره كله خير.

جوهر التسليم هو أن تُسلّم دور: التدبير والتسخير والإحاطة والكفالة، لله المحيط العليم والقدير.. وأن توقن أن بيده الخير، وأنك لن تتمكن مهما حاولت أن تأخذ هذا الدور الذي ليس من شأنك، دون أن تذهب للطرف المناقض تمامًا فتستسلم لأنه "ما بيدك شيء"! قال رسول الله ﷺ : “احرصْ على ما ينفعُك، واستعِن بالله ولا تعجزْ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان”


بهذه البساطة وهذا التعقيد!

فلا أنت المستريح بالكسل والقعود "ولوم الظروف"، ولا أنت الشاعر بأن "كل شيء بخير لأن الأمر تحت سيطرتك بالكامل"!

إنما تعمل وتبذل الأسباب التي لديك، وتتوقف عند هذا الحد وتوّكل أمرك لِخالِقك..

"رغم خوفك وقلقك وكل التهديدات التي تدور في عقلك وتدعوك للتحكم"

"ورغم التعب الذي تبذله دون أن يضمن لك مثالية النتائج فيدعوك لليأس والاستسلام"

التسليم مساحة في المنتصف

-قد تكون مرعبة شعوريًا في البداية- لكن سلّم شعورك دون أن تحاول التحكم فيه، ولا تستسلم له فيجرفك لأنماطٍ قديمة.. طريقك للتسليم سيُعلمك التسليم، سَلّم حتى تُسلّم!

لِمَ نخاف التسليم؟

لأننا نشعر وكأن كل شيء "سينهار" إن فقدنا السيطرة! وكأننا إن تركنا عجلة القيادة ستنشق الأرض وتبتلعنا! ، وقد يعود هذا الشعور للماضي حيث كنا صغارًا وعاجزين وشعرنا أن البيئة مُخادعة ولا يُمكن توقعها.. وكردة فعل عكسية قررنا أن "نتحكم" بكل شيء!